الاثنين، 25 ديسمبر 2023

العالِم أحمد القناوي.. عاشق الجغرافيا الطبيعية

نشرت بتاريخ 15 ديسمبر 2023

شارك في 120 دراسة حول التغيرات المناخية في الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الجنوبية.. واستفاد من تقنيات الاستشعار عن بُعد لتقييم مخاطر التلوث


يمثل القناوي مدرسةً جغرافيةً في حد ذاته، وخاصةً في مجال جغرافيا المناخ

"لا تنسلخ عن بيئة بلدك، واجعل أبحاثك موجهةً لخدمة وطنك".. لم تكن تلك العبارة مجرد كلمات إنشائية عابرة، بل جزءًا من شخصية عالِم الجغرافيا الطبيعية المصري الدكتور أحمد القناوي.

يعمل "القناوي" أستاذًا مساعدًا لعلم الجغرافيا الطبيعية بكلية التربية بجامعة المنصورة، وأستاذًا سابقًا للجغرافيا بجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بالمملكة العربية السعودية.

المولد والنشأة

وُلد "القناوي" في مارس عام 1978 في مدينة "محلة دمنة" المطلة على النيل والواقعة على بُعد 9 كيلومترات من مدينة المنصورة، والتي حظيت بمكانة كبيرة في تاريخ مصر بوصفها أحد أهم أماكن المقاومة المصرية للاحتلال الفرنسي في الفترة ما بين 1798 وحتى 1801.

وكعادة كثير من علماء الجغرافيا، مثَّل البُعدان التاريخي والجغرافي ملمحًا كبيرًا من شخصية "القناوي" الذي نشأ في أسرة متوسطة الحال لوالد يعمل مزارعًا وأم تعمل ربة منزل.

وبالرغم من الظروف المادية الصعبة التي أحاطت به، والتي دفعته إلى الالتحاق بالقسم الأدبي رغم تفوقه في علوم الرياضيات، شق "القناوي" طريقه التعليمي بقوة، وكان الأول على محافظة الدقهلية في الثانوية العامة للقسم الأدبي لعام 1995 بفارق لم يتعدَّ درجة ونصف عن العاشر على الجمهورية.

يقول "القناوي" في تصريحات لـ"نيتشر ميدل إيست": حلمت بالالتحاق بكلية الحقوق كي أكون قاضيًا، واخترت في النهاية قسم الجغرافيا في كلية التربية بجامعة المنصورة، وكنت الأول على دفعتي لأربع سنوات متتالية، وعُينت معيدًا في الكلية ذاتها عام 1999.

اختار "القناوي" التخصص في علم المناخ باعتباره أكثر الأقسام الجغرافية اهتمامًا بالإحصائيات والرياضيات.

ويضيف: أحببت الجغرافيا الطبيعية لتركيزها على دراسة المظاهر الطبيعية لسطح الأرض، وفي ضمنها تكوين الأرض، والمناخ، والتيارات، وتوزيع النباتات، والحيوانات.

 

رحلة جديدة

حصل "القناوي" على دبلومة من معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، وتتلمذ على يد مجموعة من أهم العلماء المصريين مثل الأساتذة صلاح صميدة وعزيزة بدر وفاتن البنا والسعيد البدوي، والدكتور محمد عبد الغني سعودي العميد السابق للمعهد، ما وفر له مناخًا مثاليًّا على كافة الأصعدة المهنية والعلمية والإنسانية.

لا ينسى "القناوي" تلك اللحظة التي أراد فيها إخبار أستاذه محمد عبد الغني سعودي -المشرف على رسالته للماجستير آنذاك- بحصوله على منحة من مؤسسة فورد لنيل درجة الماجستير من جامعة أجنبية.

كان ذلك عام 2003، وقتها وجد "القناوي" نفسه عاجزًا لا يعرف ماذا يقول لمشرفه، لكنه وجده يقول له محفزًا: لا أريد رؤيتك إلا بعد الحصول على الماجستير.

وبالفعل، التحق "القناوي" بجامعة ليستر البريطانية، ونال درجة الماجستير في مجال "المعلوماتية البيئية".

 

التقنيات الحديثة

يقول "القناوي": لم يكن مصطلح المعلوماتية البيئية شائعًا في العالم العربي وقتئذٍ، وركزت على توظيف التقنيات الحديثة -وخاصةً نظم المعلوماتية الجغرافية- والاستشعار عن بُعد لدراسة المشكلات البيئية وتقييمها ومعرفة أسبابها ومساراتها والعوامل المؤثرة فيها، ووضع سيناريوهات لحلها.

كان موضوع دراسة الماجستير هو "كيف يمكن تقييم مخاطر التلوث في بحيرة المنزلة باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية؟".


نشر القناوي دراساتٍ تناولت التغيرات المناخية في أوروبا وأمريكا الجنوبية وخاصةً منطقة جبال الأنديز

استعان "القناوي" بالأساليب الحديثة لدراسة بحيرة المنزلة والملوِّثات الموجودة فيها دراسةً دقيقةً اعتمادًا على المرئيات الفضائية، في خطوة مهدت لتعميم تلك التجربة على بحيرات أخرى.

وفي عام 2008، ارتحل "القناوي" إلى إسبانيا للحصول على الدكتوراة من جامعة ساراجوسا في دراسة حملت عنوان "تقييم التغيرات في درجات الحرارة اليومية في الجزء الشمالي الشرقي من إسبانيا"، وأشرف عليها "فيسينتي سيرانو" أحد اشهر علماء الجغرافيا على مستوى العالم.

وبعد ذلك، التحق بمعهد أبحاث المحيط الهادي للتغيرات المناخية في كوريا الجنوبية لاستكمال دراسة ما بعد الدكتوراة، لكنه لم يمكث في المعهد سوى عام واحد؛ إذ انتقل إلى السعودية لاستكمال دراسته في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية على مدى عامي 2013 و2014. ويعمل حاليًّا كأستاذ لدراسات المناخ في معهد "جبال البرينيه للإيكولوجيا" التابع للمركز الوطني للأبحاث في إسبانيا.

 

مدرسة جغرافية

يمثل "القناوي" مدرسةً جغرافيةً في حد ذاته، وخاصةً في مجال جغرافيا المناخ، التي تهتم بدراسة التغيرات المناخية وعناصر المناخ المختلفة على وجه الأرض، بما في ذلك الأمطار والرياح والرطوبة النسبية ودرجة الحرارة، وتحليل البيانات للتنبؤ بالتغيرات المناخية لعقود قادمة.

وعلى مدى أكثر من 15 عامًا، شارك "القناوي" في 120 دراسة ركزت على التغيرات المناخية في البيئات الجافة وشبه الجافة، وخاصةً في مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط، التي تتضمن ليبيا ومصر والعراق وسوريا والسعودية وعمان والسودان وإثيوبيا، إضافةً إلى دراسات استهدفت أقاليم مثل شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا.

وهو محرر ومحكم في كثير من المجلات الدولية ذائعة الصيت، وحصل على جائزة مؤسسة عبد الحميد شومان للباحثين العرب لعام 2020؛ عن إنجازاته في العلوم الهندسية والاحتباس الحراري والتغير المناخي.

 

التغيرات المناخية

يقول "القناوي": أحاول دراسة خطورة التغيرات المناخية في تلك المناطق باعتبارها مناطق ساخنة تشهد تدهورًا مناخيًّا سريعًا مقارنةً بغيرها من مناطق العالم، خاصةً أنها مناطق قاحلة تعاني من نقص الأمطار ولا يتوافر فيها غطاء نباتي.

ويتابع: تؤثر التغيرات المناخية على الفئات المهمشة التي تعيش في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ويواجه سكان المناطق الساحلية في تلك الأقاليم تهديدات مناخية كثيرة، أهمها ارتفاع مستوى مياه البحر، ما يؤدي إلى تأثيرات مستقبلية كبيرة على حياتهم، ويتطلب ذلك إيجاد حلول علمية للحد من الـتأثيرات السلبية.

وعلى المستوى الدولي، نشر "القناوي" دراساتٍ تناولت التغيرات المناخية في أوروبا، وتحديدًا إسبانيا، وأمريكا الجنوبية وخاصةً منطقة جبال الأنديز.

 

العمل الجماعي

يؤمن "القناوي" بأهمية العمل الجماعي، معتبرًا أن "النزعة الفردية من أهم المشكلات التي تؤثر سلبًا على البحث العلمي في مصر والدول العربية.

ويقول: يساعد العمل الجماعي على سرعة الإنجاز ومعالجة نقاط الضعف التي يعاني منها الأفراد، ويوفر منظومةً بحثيةً تضمن جودة اختيار فكرة الدراسة وتحديد أهدافها، وجمع البيانات وتحليلها، وعرض المعلومة بشكل علمي مبسط، ومعالجة البيانات بشكل نقدي، وكتابتها بأسلوب أكاديمي دقيق.

ويتابع: نحتاج أيضًا إلى البُعد عن استنساخ المقررات العلمية، وأن تتسق المناهج الجغرافية مع البيئة التي توجد فيها الجامعة، بمعنى أن يدرس طلاب أقسام الجغرافيا في جامعات مثل شمال سيناء وجنوب سيناء وجنوب الوادي البيئات الصحراوية، أما طلاب أقسام الجغرافيا في جامعات مثل جامعة الإسكندرية فيدرسون البيئة الساحلية، بحيث يكون هناك ربط مباشر بين العلم والمجتمع.

 

المصدر

https://www.natureasia.com/ar/nmiddleeast/article/10.1038/nmiddleeast.2023.282